إعداد : ميلاد كوركيس
مشرف مشروع : Memora 360

إلى ذكرى جدي الغالي
إيشوع ملكي إيشوع
«أبو جانو»
ستبقى حاضرًا في القلب، مهما طال الغياب، وستظل ذكراك حية في روحي، محفورة في ذاكرة العائلة، تتوارثها الأجيال محبةً ووفاءً. رحمك الرب وأسكنك مساكن النور والراحة، وليكن رجاء القيامة والحياة الأبدية عزاءً لنا حتى نلتقي في حضرة الرب.
بعض الحكايات لا تبدأ من تاريخ الميلاد، ولا تنتهي عند تاريخ الرحيل، بل تبقى ممتدة في القلب، تسكن الذاكرة وتعيش في تفاصيل الأيام. وحين يكون الحديث عن الجد، فإن الكلمات تصبح محاولة لاستعادة شيء من دفء الماضي، وتوثيق سيرة إنسان ترك أثره في عائلته، وفي كل من عرفه، وفي الحارة التي احتضنت سنوات من حياته. ومن هنا، أكتب سيرة جدي إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو»، لا لأروي حكاية رجل من الماضي فحسب، بل لأحفظ إرثًا عائليًا وإنسانيًا، ولأترك للأجيال القادمة صفحات تعرفهم بمن كان، وكيف عاش، وما الذي بقي منه في قلوبنا بعد الرحيل.
هناك لحظات في حياتنا لا ندرك قيمتها الحقيقية ونحن نعيشها، ولا نعرف أنها ستتحول يومًا إلى ذكريات نحملها في أعماقنا، ونعود إليها كلما اشتقنا إلى وجه عزيز غاب عن أعيننا، لكنه بقي حاضرًا في قلوبنا. وبعض الوداعات لا نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستكون الوداع الأخير، وأن عناقًا قصيرًا في مطار سيبقى محفورًا في الذاكرة طوال العمر.
ما زلت أستعيد في ذاكرتي ذلك اليوم، 14 آب 2003، حين كنت في مطار حلب الدولي برفقة جدي إيشوع ملكي إيشوع، المعروف باسم «أبو جانو»، وجدتي مارتا صليبا، ووالدي ووالدتي. كان جدي يستعد للسفر إلى ألمانيا، ولم أكن أعلم أن تلك اللحظات ستكون آخر ما يجمعني به وجهًا لوجه، وأن العناق الذي جمعنا قبل رحيله سيصبح ذكرى لا يمكن للزمن أن يمحوها. عانقته يومها، ثم غادر، وبقيت أحمل صورة ذلك الوداع في ذاكرتي، من دون أن أعرف أن الطريق الذي سلكه لن يعيده إلى ديريك مرة أخرى.
لم أكن يومها أستطيع أن أفهم معنى الفراق كما أفهمه اليوم، ولم أكن أدرك أن بعض اللحظات الصغيرة في أعيننا تصبح، بعد رحيل أصحابها، من أثمن ما نملك. لقد بقي ذلك العناق جزءًا من حكايتي مع جدي، وبقي تاريخ سفره حاضرًا في ذاكرتي، لأنه لم يكن مجرد سفر عادي، بل كان آخر لقاء بين حفيد وجده الذي أحبه، قبل أن تفصل بينهما المسافات، ثم يرحل الجسد وتبقى الذكريات.
من أسفس إلى عين بازوق
وُلد جدي إيشوع ملكي إيشوع في كانون الثاني من عام 1935، في قرية أسفس الواقعة في جنوب تركيا، ونشأ في أسرة والده ملكي ووالدته سيدة، بين أخيه داؤود وأخواته سفري ومريم ونيسي. وكانت بدايات حياته مرتبطة بأرضه وأهله وذكريات المكان الذي نشأ فيه، قبل أن تتغير ظروف العائلة وتنتقل إلى سوريا، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتها.
استقرت العائلة في عين بازوق، في ريف ديريك المالكية، وهناك عاش جدي سنوات من العمل والمسؤولية، مرتبطًا بالأرض والحياة الريفية. فقد عمل في الزراعة ورعاية الأغنام، وهي أعمال تتطلب الصبر والجهد والاستيقاظ المبكر، وتعلّم الإنسان معنى التعب من أجل الأسرة وتأمين احتياجاتها. وكانت تلك السنوات جزءًا أساسيًا من تكوين شخصيته، إذ عاش حياة قريبة من الطبيعة، وعرف قيمة العمل والعطاء وتحمل المسؤولية.
وفي عام 1959 تزوج جدي من جدتي مارتا صليبا، لتبدأ معًا رحلة الحياة وتأسيس العائلة. ورُزقا بابنين هما جان ومالك، وخمس بنات هن جاكلين وريما وحنان وسيود وسعاد، لتكبر العائلة وتمتد جذورها عبر الأبناء والأحفاد. كان الزواج بداية مرحلة جديدة حملت معها مسؤوليات الأسرة وتربية الأبناء والعمل من أجل مستقبلهم، وكان جدي حريصًا على أن يمنح أبناءه ما يستطيع من فرص تساعدهم على بناء حياتهم وتحقيق طموحاتهم.
ورغم أن جدي لم تتح له الفرصة لإكمال تعليمه، فإنه كان يؤمن بأهمية الدراسة، ويشجع أبناءه باستمرار على مواصلة تعليمهم والحصول على الشهادات العلمية. لم يكن يعتبر أن ما لم يستطع تحقيقه في حياته يجب أن يتوقف عنده، بل كان يتمنى لأبنائه مستقبلًا أفضل، ولذلك حرص على أن ينالوا فرصتهم في التعليم، وكان يشجعهم على الدراسة والاجتهاد وبناء مستقبلهم بالعلم والمعرفة. وقد أثمر هذا الاهتمام، فأصبح معظم أبنائه من الخريجين وحملة الشهادات، وهو أمر يعكس قيمة التعليم في نظره، رغم أنه لم يتمكن من إكمال دراسته بنفسه.
ولم يتوقف أثر هذا التشجيع عند أبنائه، بل امتد عبرهم إلى الأحفاد أيضًا، إذ انتقلت أهمية الدراسة والتعليم من جيل إلى آخر، وما زال هذا التشجيع مستمرًا حتى اليوم. وهكذا ترك جدي أثرًا تجاوز حدود حياته الشخصية، لأن إيمانه بأهمية التعليم أصبح قيمة تتناقلها العائلة، ودليلًا على أن الإنسان يستطيع أن يفتح لأبنائه أبوابًا لم تتح له فرصة عبورها بنفسه.
بيت العائلة… مسؤولية ومحبة وسند للجميع
لم تكن حياة جدي العائلية مقتصرة على زوجته وأبنائه وبناته فحسب، بل عاش معهم في المنزل نفسه والدته سيدة وشقيقته مريم، اللتان بقيتا تعيشان معه حتى وفاتهما. وقد حمل هذا الواقع مسؤولية عائلية إضافية، في زمن كانت فيه ظروف الحياة مختلفة، وكانت الإمكانات محدودة، وكان على الأسرة أن تتشارك المساحة والاحتياجات اليومية، وأن تجد في المحبة والتعاون ما يساعدها على مواجهة أعباء الحياة.
ومن الذكريات التي نقلتها إليّ والدتي وأشقاؤها وشقيقاتها، أن جدي وجدتي وأبناءهما وبناتهما كانوا يعيشون جميعًا في غرفة واحدة. قد تبدو هذه الصورة صعبة بمقاييس الحياة اليوم، لكنها تختصر جانبًا من الظروف التي عاشتها العائلة، وتُظهر كيف كانت الحياة تُدار وسط ضيق المكان وكثرة المسؤوليات. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في هذه الحكاية ليس ضيق المساحة وحده، بل الطريقة التي تعامل بها جدي مع أفراد أسرته، وكيف استطاع أن يكون أبًا لأبنائه، وزوجًا لجدتي، وأخًا لشقيقته، وسندًا لوالدته، وملاذًا لمن حوله.
لقد كان يتعامل مع الجميع بروح المسؤولية والحنان، ولم يجعل اختلاف الأدوار داخل الأسرة سببًا للتقصير في حق أحد. فقد كانت والدته وشقيقته جزءًا من بيته وحياته اليومية، وكان حضوره بالنسبة إليهما حضور الابن والأخ الذي يُعتمد عليه، مثلما كان بالنسبة إلى أبنائه الأب الذي يتحمل المسؤولية ويسعى إلى توفير الاستقرار لعائلته. وهذه الصورة، كما وصلتني من ذكريات والدتي وأشقائها وشقيقاتها، تكشف عن جانب مهم من شخصيته، جانب لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تثبته سنوات العيش المشترك والمواقف اليومية.
وربما لهذا السبب بقيت صورة جدي راسخة في ذاكرة كثير ممن عرفوه وعاشوا بالقرب منه. لم يكن حضوره محصورًا في أسرته المباشرة، بل امتد أثره إلى الجيران والأصدقاء وأبناء الحارة، الذين عرفوا طريقة تعامله مع عائلته ومع الناس، وظلوا يذكرون خصاله حتى اليوم. فالشخصية الحقيقية لا تظهر في المناسبات وحدها، بل تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي كيفية تعامل الإنسان مع أقرب الناس إليه، ولا سيما حين تكون المسؤوليات كثيرة والظروف صعبة.
ديريك… البيت الذي اتسع للجميع
في عام 1971 انتقل جدي إلى مدينة ديريك، لتبدأ مرحلة أخرى من حياته، ارتبطت بعمله اليومي وعلاقاته الاجتماعية وبيته الذي أصبح جزءًا من ذاكرة العائلة والحي. عمل سائقًا للحافلة في منطقة رميلان، إلى جانب ارتباطه بالزراعة والعمل، وظل قريبًا من الناس، يعرفهم ويعرفونه، وتربطه بمن حوله علاقات مبنية على الألفة والاحترام.
لم يكن بيت جدي مجرد مكان تعيش فيه الأسرة، بل كان بيتًا مفتوحًا للأقارب والأصدقاء والضيوف والجيران من مختلف الأديان والخلفيات. كان يستقبل الناس ببساطة ومحبة، ولم تكن الاختلافات الدينية أو الاجتماعية حاجزًا بينه وبين الآخرين. فقد كانت إنسانيته تسبق كل اعتبار، وكان يرى في الضيف إنسانًا يستحق الترحيب، وفي الجار شخصًا تربطه به علاقة من المودة والعيش المشترك.
كان جدي طيب القلب مع الجميع، لكن لعائلته مكانة خاصة في قلبه. أحبّ جمعة العائلة، وكان اجتماع الأبناء والأحفاد حوله من الأمور التي تمنحه الفرح والراحة. كانت العائلة بالنسبة إليه أكثر من مجرد رابطة تجمع أشخاصًا؛ كانت مساحة للمحبة والتواصل والشعور بالانتماء، وكان اجتماع أفرادها يحمل معنى خاصًا في حياته. وكان يفرح بوجود أبنائه وأحفاده بالقرب منه، ويجد في هذه اللقاءات دفئًا لا تعوّضه أمور الحياة الأخرى.
وقد ارتبطت حياته بعلاقات طيبة مع عدد من أبناء المدينة، ومنهم المعلم الراحل سهيل بطرس يوسف، والخياط جميل المعروف باسم جميل الخياط، والمعلم الراحل أفرام لحدو، والمعلمة الراحلة بسنة كوركيس، والعم صبري يعقوب المعروف باسم «صبرو دلالي»، إلى جانب آخرين من أبناء الحارة الذين عاشوا فيها وشاركوا أهلها تفاصيل الحياة اليومية.
وتكتسب هذه الحارة أهمية خاصة في ذاكرتي، لأنها ليست مجرد مكان سكن فيه جدي، بل هي الحارة نفسها التي عشت فيها جزءًا من طفولتي، وتشكل جزءًا من عالمي الشخصي وذاكرتي العائلية والاجتماعية. وهي الحارة التي سبق أن تحدثت عنها عندما وثّقت سيرة حياة الأستاذ الراحل أفرام لحدو والمعلمة الراحلة بسنة كوركيس، إضافة إلى الأستاذ الراحل سهيل بطرس يوسف، والعم صبري يعقوب «صبرو دلالي»، وغيرهم ممن سكنوا ذلك المكان الذي جمع وجوهًا وشخصيات بقيت آثارها حاضرة في ذاكرتي.
ولهذا فإن الحديث عن جدي يعيدني، بصورة طبيعية، إلى الحديث عن تلك الحارة وأهلها، وإلى العلاقات التي ربطت سكانها بعضهم ببعض. فالأماكن لا تُحفظ بأسمائها وشوارعها فقط، بل بالناس الذين عاشوا فيها، وبالمواقف التي جمعتهم، وبالذكريات التي بقيت بعد رحيل كثير منهم. وما زاد ارتباطي بتلك الحارة هو أنني عشت طفولتي فيها، ولذلك تبقى بالنسبة إليّ مساحة من الذاكرة تستحق أن تُروى وتُوثّق.
لم تكن قيمة جدي في مهنة مارسها أو في مسؤوليات حملها فحسب، بل في الطريقة التي عاش بها بين الناس، وفي حرصه على عائلته، وتشجيعه أبناءه على التعليم، وطيبته مع من حوله. فهذه الصفات هي التي تمنح سيرة الإنسان معناها الحقيقي، وهي التي تجعل ذكراه باقية في قلوب من عرفوه، حتى بعد مرور السنوات.
ذكريات حفيد … تنروح بيت جدو
بالنسبة إليّ، لم يكن جدي مجرد اسم في شجرة العائلة، ولا رجلًا أقرأ عنه اليوم لأجمع تفاصيل سيرته، بل كان جزءًا من طفولتي ومن الأيام التي عشتها في ديريك. فقد كانت والدتي تعمل معلمة، وكنا أنا وإخوتي وأبناء عمومتي نقضي وقتًا طويلًا في بيت جدي وجدتي إلى أن تعود والدتي من عملها. وهكذا أصبح البيت مساحة واسعة من طفولتنا، ومكانًا ارتبط بالأمان والألفة والذكريات التي لا تزال حاضرة في داخلي.
ما زلت أتذكر عبارات الطفولة البسيطة التي كانت تحمل في داخلها الكثير من الفرح، مثل: «تنروح بيت جدو»، أي إننا ذاهبون إلى بيت الجد، و«جدو إجا عنا»، حين كان يأتي لزيارتنا. كانت كلمات عادية في ظاهرها، لكنها اليوم تحمل معنى أكبر بكثير؛ لأنها تعيدني إلى زمن كان فيه وجود جدي جزءًا طبيعيًا من يومنا، وإلى أيام لم نكن نتصور أن تتحول تفاصيلها الصغيرة إلى ذكريات نشتاق إليها بهذا القدر.
كان جدي يحب الطبيعة والنباتات والأشجار والزهور، ويجد راحته في الجلوس خارج المنزل وسط الخضرة. وما زالت صورته وهو يجلس على كرسيه بين النباتات والأشجار من المشاهد التي ترتبط في ذاكرتي بهدوئه وحضوره. كان قريبًا من الطبيعة، يحب أن يرى النباتات تنمو، ويجد في العناية بها متعة وراحة. وربما كانت تلك العلاقة انعكاسًا لحياة عاش فيها طويلًا بين الأرض والزراعة، فبقيت الطبيعة جزءًا من يومه حتى بعد انتقاله إلى المدينة.
وكان يحافظ على نشاطه اليومي، فيمارس التمارين بعد الاستيقاظ، ويشرب الحليب، ويظل نشيطًا بفضل العمل والحركة والمشي. لم يكن يميل إلى الخمول، بل اعتاد أن يبدأ يومه بالحركة والعمل، وهو ما يعكس نمط الحياة الذي عاشه والجهد الذي بذله على امتداد سنواته.
ومن الذكريات التي أعتز بها أيضًا صورة جدي وهو يجمع العائلة حوله، والفرح الذي كان يظهر عليه حين يكون أبناؤه وأحفاده بالقرب منه. لقد كانت جمعة العائلة تعني له الكثير، ولم يكن يحتاج إلى مناسبة كبيرة حتى يشعر بالسعادة؛ فوجود أفراد أسرته حوله كان بحد ذاته مناسبة جميلة. كما بقي تشجيعه على الدراسة والتعليم من القيم التي لا تقتصر على جيل واحد، بل تستمر في العائلة حتى يومنا هذا، وكأن أثره ما زال حاضرًا في اختياراتنا وطموحاتنا.
ولديّ ذكريات كثيرة مع جدي، ولا يمكن اختصارها كلها في نص واحد، فسنوات الطفولة وما حملته من مواقف وتفاصيل تستحق صفحات طويلة. لكنني أفضّل هنا أن أذكر ما يرتبط مباشرة بسيرته وشخصيته وأثره في حياتنا، من دون أن أخرج عن موضوع الحديث؛ فليس الهدف أن أروي كل ذكرى عشتها معه، بل أن أقدّم صورة صادقة عن الإنسان الذي كانه، وعن القيم التي تركها في عائلته، والتي ما زالت حاضرة فينا حتى اليوم.
لكن أجمل ما بقي في ذاكرتي ليس فقط عاداته اليومية أو تفاصيل البيت، بل شعوري بوجوده. فهناك أشخاص يمنحون المكان معنى خاصًا بمجرد وجودهم فيه، وعندما يغيبون نشعر أن شيئًا من روح المكان قد غاب معهم. هكذا بقي بيت جدي في ذاكرتي؛ ليس بسبب جدرانه أو أثاثه، بل بسبب ما حمله من محبة واجتماعات عائلية وأصوات وضحكات وذكريات لا تتكرر.
السفر الذي أصبح وداعًا أخيرًا
لم تكن زيارة جدي لألمانيا أمرًا جديدًا تمامًا، فقد سافر في مرات سابقة برفقة جدتي إلى السويد وألمانيا، حيث كان لجدتي أقارب هناك. وكانت تلك الرحلات جزءًا من صلته بالعائلة الممتدة خارج الوطن. لكن سفره الأخير في 14 آب 2003 كان مختلفًا، وإن لم نكن نعرف حينها مقدار اختلافه.
في ذلك اليوم، اجتمعت العائلة في مطار حلب الدولي لتوديعه. كان جدي وجدتي ووالدي ووالدتي وأنا حاضرين، وكانت لحظة العناق الأخيرة هي التفصيل الذي بقي في ذاكرتي أكثر من غيره. لا أستطيع اليوم أن أستعيد ذلك المشهد من دون أن أفكر في المسافة التي فصلت بيننا بعده، وفي أن الإنسان قد يودّع عزيزًا وهو يعتقد أنه سيشاهده مرة أخرى، ثم تكتب الأيام حكاية مختلفة.
غادر جدي إلى ألمانيا، ولم يعد إلى ديريك بعد ذلك السفر. وفي السابع والعشرين من كانون الثاني عام 2004، رحل عن هذه الحياة في مدينة فرانكفورت الألمانية، عن عمر ناهز التاسعة والستين عامًا، ودُفن هناك بعيدًا عن المدينة التي عاش فيها سنوات طويلة، وعن البيت الذي جمع أفراد عائلته وأصدقاءه وجيرانه.
كان رحيله في الغربة فصلًا مؤلمًا من حكايته، لأن المسافة لم تعد مجرد طريق بين بلدين، بل أصبحت واقعًا يفصل بين ذكرياتنا معه وبين المكان الذي دُفن فيه. وبقيت ديريك تحتفظ بصورته في ذاكرة من عرفوه، فيما بقيت فرانكفورت المكان الذي احتضن جسده بعد الرحيل.
لم أكن يومها أمتلك الكلمات التي أستطيع بها أن أعبّر عن معنى الفقد، لكنني اليوم، بعد مرور السنوات، أجد أن بعض الذكريات لا تفقد قوتها مهما ابتعد الزمن. وما زلت أعود إلى ذلك العناق الأخير، لا لأعيش الحزن وحده، بل لأتذكر أنني كنت محظوظًا لأن هذا الإنسان كان جزءًا من طفولتي، وأن صورته بقيت ترافقني حتى بعد أن غاب.
إلى جدي… من حفيدك ميلاد
جدي العزيز، أكتب إليك اليوم وأنا أحاول أن أجمع ما بقي في ذاكرتي من حكايتك، لا لأن الكلمات قادرة على أن تعيدك إلينا، بل لأنني أؤمن بأن الوفاء للراحلين يبدأ من حفظ سيرتهم، والحديث عن حياتهم، ونقل ذكراهم إلى الأجيال التي لم تتح لها فرصة معرفتهم.
أكتب إليك عن أسفس التي وُلدت فيها، وعن عين بازوق التي عشت فيها، وعن ديريك التي احتضنت سنوات من حياتك، وعن البيت الذي كان مفتوحًا للناس، وعن الأشجار والزهور التي أحببتها، وعن العائلة التي بنيتها مع جدتي مارتا، وعن أبنائك وبناتك وأحفادك الذين امتدت من خلالهم حكايتك.
وأكتب إليك عن إيمانك بأهمية التعليم، رغم أنك لم تكمل دراستك، وعن إصرارك على تشجيع أبنائك ليحصلوا على ما لم تتح لك الظروف أن تحققه بنفسك. واليوم، حين أرى أثر هذا التشجيع في أبنائك وأحفادك، أدرك أن بعض الأعمال لا تنتهي بانتهاء حياة أصحابها، بل تستمر في الأجيال التي تأتي بعدهم. لقد تركت في عائلتك قيمة تستحق أن تُحفظ، وهي أن العلم طريق لبناء المستقبل، وأن حرص الإنسان على تعليم أبنائه من أجمل ما يمكن أن يقدمه لهم.
وأكتب إليك عن الطريقة التي كنت تحمل بها مسؤولية عائلتك، وعن اهتمامك بوالدتك وشقيقتك، وعن كونك سندًا لمن عاشوا معك تحت سقف واحد، حتى في الأيام التي كانت فيها الحياة ضيقة المكان وكثيرة الأعباء. إن هذه التفاصيل التي حفظتها روايات والدتي وأشقائها وشقيقاتها ليست هامشًا في سيرتك، بل هي جزء من صورتك الإنسانية التي بقيت في ذاكرة العائلة وكل من عرفك.
وأكتب إليك أيضًا عن نفسي، عن الطفل الذي كان يفرح عندما يسمع أنه سيذهب إلى بيت جده، وعن الحفيد الذي لم يكن يدرك أن عناق المطار سيصبح آخر عناق، وعن الرجل الذي كبر مع السنوات وأصبح يرى في تلك التفاصيل البسيطة كنزًا لا يمكن تعويضه.
لم أتمكن من الاحتفاظ بك إلى جانبي، لكنني أستطيع أن أحفظ سيرتك، وأن أروي قصتك، وأن أجعل اسمك حاضرًا في ذاكرة العائلة. فالأجداد لا يتركوننا تمامًا ما دامت حكاياتهم تُروى، وما دامت صورهم محفوظة، وما دام هناك من يتذكر كلماتهم وطباعهم وأعمالهم وما قدموه لمن حولهم.
أرجو من الرب أن تكون في مساكن النور والراحة، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، وأن يمنحنا العزاء والرجاء بقيامة الأموات والحياة الأبدية. وليبقَ اسمك حاضرًا في قلوبنا، لا بوصفك ذكرى من الماضي فحسب، بل بوصفك جزءًا من تاريخ عائلتنا وهويتها وذاكرتها.
رسالة وفاء من أحفادك
إلى جدنا إيشوع ملكي إيشوع، المعروف باسم «أبو جانو»، نكتب هذه الكلمات وفاءً لرجل بقي حضوره في ذاكرة العائلة أكبر من المسافة التي فصلتنا عنه. قد لا تتشابه ذكرياتنا جميعًا، وقد يحمل كل واحد منا صورة خاصة عنك، لكننا نلتقي في المحبة التي تركتها في قلوبنا، وفي المكانة التي احتللتها في تاريخ عائلتنا.
لقد كنت جدًّا ارتبط اسمه بالبيت والعائلة والكرم والاهتمام بالآخرين، وبقيت سيرتك جزءًا من الحكايات التي تنتقل بين الأجيال. وما نكتبه اليوم ليس سوى محاولة لحفظ شيء من هذه الذاكرة، حتى يعرف أبناؤنا وأحفادنا من كنت، ومن أين بدأت رحلتك، وكيف عشت، وما الذي بقي منك في قلوب من عرفوك وأحبوك.
إن الوفاء لك لا يقتصر على استعادة تاريخ ميلادك أو زواجك أو انتقالك بين الأماكن، بل يشمل أيضًا حفظ القيم التي جسدتها في حياتك، واحترام علاقاتك الإنسانية، وتذكّر البيت الذي جمع الناس، والأرض التي عملت فيها، والعائلة التي ربيتها، والذكريات التي منحتنا إياها. ويشمل كذلك المحافظة على القيمة التي آمنت بها وشجعت أبناءك عليها، وهي التعليم، الذي امتد أثره من أبنائك إلى أحفادك، وما زال حاضرًا في العائلة حتى اليوم.
نسأل الرب أن ينيح نفسك في مساكن النور والراحة، وأن يجعل ذكراك مباركة بين أبنائك وبناتك وأحفادك، وأن يبقى رجاء القيامة والحياة الأبدية عزاءً لنا في غيابك. فالمحبة التي تجمع العائلة لا تنتهي عند حدود الموت، والذكرى الصادقة تبقى جسرًا يصل الأحياء بمن سبقوهم إلى الراحة الأبدية.
تبقى الذكرى… ويبقى الرجاء
إن سيرة جدي إيشوع ملكي إيشوع ليست مجرد مجموعة من التواريخ والأماكن، بل حكاية إنسان عاش بين تركيا وسوريا وألمانيا، وتنقل بين القرية والمدينة والغربة، وعمل من أجل أسرته، وبنى علاقات مع الناس، وترك وراءه عائلة وذكريات لا تزال حاضرة في وجداننا.
وُلد في أسفس في كانون الثاني عام 1935، وانتقلت عائلته إلى سوريا واستقرت في عين بازوق، ثم تزوج من مارتا صليبا عام 1959، وانتقل إلى ديريك عام 1971، حيث عمل سائقًا للحافلة في رميلان، وعاش بين العمل والعائلة والناس. وعلى الرغم من أنه لم يكمل تعليمه، فإنه شجع أبناءه على الدراسة، فكان معظمهم من الخريجين وحملة الشهادات، وانتقل هذا الاهتمام بالتعليم عبرهم إلى الأحفاد، ولا يزال مستمرًا. كما كان سندًا لوالدته وشقيقته، وحرص على عائلته، وأحبّ اجتماع أبنائه وأحفاده، وعاش في الحارة التي بقي أهلها يذكرونه بالخير. وبعد سفره الأخير إلى ألمانيا في 14 آب 2003، رحل في فرانكفورت في 27 كانون الثاني 2004، ودُفن هناك. وبين هذه المحطات تمتد حياة كاملة، فيها التعب والمسؤولية والعائلة والصداقات والذكريات.
أما بالنسبة إليّ، فستبقى حكايته مرتبطة بذلك العناق الأخير في مطار حلب، وبالبيت الذي قضيت فيه جزءًا من طفولتي، وبالأشجار والزهور التي أحبها، وبالعبارات البسيطة التي كانت تملأ أيامنا فرحًا. وستبقى مرتبطة أيضًا بطيبته، وحبه لجمعة العائلة، وإيمانه بأهمية التعليم، وتشجيعه لأبنائه وأحفاده على أن يسعوا نحو مستقبل أفضل. وستظل الحارة التي عاش فيها، والتي عشت طفولتي بين أهلها، جزءًا من ذاكرة لا تنفصل عن سيرته وعن سير الشخصيات التي وثّقت حكاياتها.
واليوم، إذ أكتب سيرته، فإنني لا أكتبها لأغلق صفحة من الماضي، بل لأحفظها مفتوحة أمام الأجيال القادمة، ولأمنح اسم جدي مكانه في ذاكرة العائلة. فالذاكرة أمانة، والوفاء للراحلين مسؤولية، ومن حق أبنائنا وأحفادنا أن يعرفوا حكايات الذين سبقوهم، وأن يدركوا أن وراء كل اسم تاريخًا، ووراء كل صورة حياةً كاملة تستحق أن تُروى.
رحمك الرب يا جدي، وأسكنك مساكن النور والراحة، وليكن رجاء القيامة والحياة الأبدية عزاءً لنا. ستبقى حاضرًا في دعائنا وذكرياتنا، وفي حكايات العائلة التي سنرويها ما حيينا. وسيبقى اسمك، إيشوع ملكي إيشوع «أبو جانو»، جزءًا من ذاكرتنا التي لا نريد لها أن تُنسى.
الذكرى الطيبة لا يطويها الزمن، والمحبة الصادقة لا تنتهي بالغياب.


Du muss angemeldet sein, um einen Kommentar zu veröffentlichen.