ليست كل السير تُكتب لأن أصحابها طلبوا ذلك، ولا لأن أسماءهم ملأت العناوين، بل لأن حياتهم تركت أثرًا يستحق أن يُروى.
هذه ليست سيرة رجلٍ بُنيت حكايته على البطولات الكبيرة أو الألقاب، بل سيرة إنسان اختار العمل طريقًا، والصدق أسلوبًا، والعائلة أساسًا، والانتماء إلى المكان موقفًا لا يتغير.
حين نكتب عن السيد شكري عازار، المعروف بـ«أبو عازار»، فإننا لا نوثّق مراحل عمر رجل فحسب، بل نقترب من حكاية إنسان ارتبط اسمه بمدينة ديريك، ورأى فيها أكثر من مكان للعيش والعمل؛ رأى فيها بيته، وذكرياته، وأهله، ومساحة يمكن أن يصنع فيها شيئًا يبقى.
هذه سيرة تُروى كما عاشت؛ بهدوء، وبخطوات متدرجة، وبكثير من العمل والإصرار، وبإيمان بأن الطريق الطويل لا يحتاج إلى قفزة واحدة، بل إلى خطوات صغيرة لا تتوقف.
من البدايات البسيطة
يصف أبناء شكري عازار طفولته بأنها كانت بسيطة وقاسية في آن واحد.
نشأ في بيئة ريفية متواضعة، لكنها كانت غنية بالمسؤولية والتعاون. ومنذ سنواته الأولى، كان قريبًا من والديه، مطيعًا لهما، ومهتمًا بهما، وتعلّم مبكرًا أن الحياة لا تمنح الإنسان كل شيء بسهولة، وأن الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية جزء من بناء الشخصية.
كانت ديريك في ذلك الوقت مدينة صغيرة ذات طابع اجتماعي قريب من الحياة الريفية، وكان التعاون بين أفراد العائلة والمجتمع جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. وفي تلك البيئة تشكلت شخصية شكري؛ شخصية عملية، اجتماعية، صريحة، وقادرة على المبادرة.
وكان محبوبًا بين أبناء حيه منذ صغره، وعُرف بشخصيته الحيوية وحضوره القريب من الناس.
«خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة»
من أكثر العبارات التي بقيت في ذاكرة أبنائه، مقولة كان يرددها:
«خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة.»
ولعل حياته نفسها كانت ترجمة لهذه العبارة.
فقد بدأ من أعمال بسيطة؛ كان بائع ثلج، ثم عمل بائع خضار، قبل أن ينتقل إلى مرحلة جديدة عندما افتتح مطعمًا صغيرًا للفلافل في منزله، ثم أصبح له مطعم عازار في سوق ديريك.
وبحسب شهادة أبنائه، كان والدهم من أوائل من أدخلوا أكلة الفلافل إلى ديريك، حتى أصبحت مرتبطة في ذاكرة كثير من أبناء المدينة باسمه وطعمتها التي بقيت حاضرة في الذاكرة.
لم يكن الطريق سهلًا، لكنه لم يتعامل مع بداياته المتواضعة باعتبارها عائقًا، بل جعل منها نقطة انطلاق.
التعليم الذي لم يكتمل… والتعلّم الذي لم يتوقف
لم يكن المسار التعليمي لشكري عازار طويلًا، فقد اضطر إلى عدم إكمال دراسته بسبب ظروف الحياة والعمل المبكر.
لكن توقف الدراسة لم يعنِ بالنسبة إليه توقف التعلّم.
كانت الحياة نفسها مدرسته؛ العمل، والناس، والتجربة، والخطأ، والنجاح، والخسارة، وكل مرحلة جديدة كانت تضيف إليه معرفة مختلفة.
وكان، بحسب أبنائه، معروفًا منذ صغره بالحيوية والحركة والمبادرة، ولم يكن من الأشخاص الذين يميلون إلى الجلوس والانتظار.
واليوم، يشجع أبناءه والأجيال الشابة على مواصلة التعليم، لأنه يرى أن الدراسة تمنح الإنسان فرصًا لم تكن متاحة في زمنه، وأن ما كان صعبًا على جيله أصبح ممكنًا للأجيال الجديدة.
البداية من الصفر
بدأ شكري عازار، كما يروي أبناؤه، من إمكانيات محدودة، وفي مدينة لم تكن تتوفر فيها الكثير من الموارد التي تساعد على بناء المشاريع الكبيرة.
وكان إلى جانبه في هذه المسيرة زوجته السيدة ناديا إيليا، التي شكلت، بحسب شهادة أبنائها، سندًا أساسيًا له في حياته، ووقفت إلى جانبه في مراحل العمل والتحدي، وكانت شريكة حقيقية في بناء الأسرة والحياة.
ومع مرور السنوات، تحولت البدايات الصغيرة إلى خبرات متراكمة، وتحولت الخبرة إلى مشاريع، وتحولت المشاريع إلى قصة يعرفها أبناء المدينة وزوارها.
من مطعم صغير إلى حلم أكبر
لم يكن مطعم الفلافل نهاية الطريق، بل كان بداية مرحلة جديدة.
من خلال العمل في المطعم، اكتسب شكري خبرة في التعامل مع الناس، وتنظيم العمل، وفهم احتياجات الزوار، وبناء علاقات اجتماعية واسعة.
ومع الوقت، بدأ حلم أكبر يتشكل.
كان بإمكانه، بحسب رواية أبنائه، أن يتجه إلى فرص عمل أخرى في القامشلي أو الحسكة، كما كانت أمامه فرصة للسفر إلى السويد وبناء مشروع هناك، لكنه اختار البقاء في ديريك.
كان ارتباطه بالمدينة أقوى من فكرة الرحيل، وكان يريد أن يبني مشروعًا كبيرًا في المكان الذي ينتمي إليه، مشروعًا يراه أهل المدينة والزوار جزءًا من حياتهم.
منتجع عازار… حين يتحول الحلم إلى مكان
من هنا بدأت قصة منتجع عازار.
لم يكن المشروع بالنسبة إلى شكري مجرد استثمار تجاري، بل كان حلمًا بمكان جميل يليق بديريك، ويمنح الناس مساحة للراحة والفرح، ويعرّف الزائرين بجمال المنطقة ودفء أهلها.
واجه المشروع تحديات متعددة؛ من نقص الموارد إلى الصعوبات اللوجستية والهندسية، إضافة إلى التساؤلات حول جدوى مشروع بهذا الحجم في مدينة صغيرة.
لكنه لم يتراجع.
عمل، وتابع التفاصيل، وبنى فريقًا يؤمن بالفكرة، وكان حاضرًا في مراحل المشروع المختلفة، حتى في التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، من وضع الحجر إلى زراعة الأشجار.
كان يريد أن يرى المكان يتشكل أمامه خطوة بعد خطوة.
وهكذا، تحولت الفكرة إلى واقع، وتحول المكان مع مرور الوقت إلى أحد المعالم المرتبطة باسم ديريك.
«اللقمة والقعدة الطيبة»
يرى أبناء شكري أن نجاح المنتجع لم يكن قائمًا على المكان وحده، بل على مجموعة من التفاصيل التي صنعت تجربته.
حسن الإدارة، وجودة الخدمة، والبساطة، وحسن استقبال الزوار، والأهم من ذلك السمعة التي بناها صاحبه عبر سنوات طويلة.
وكانت هناك عبارة شعبية تلخص جانبًا من فلسفة المكان:
«اللقمة والقعدة الطيبة.»
فالمكان، في نظره، لم يكن مجرد جدران وخدمات، بل تجربة يشعر فيها الزائر بالراحة والألفة.
ومع مرور الوقت، أصبح المنتجع مقصدًا لأهالي القامشلي والحسكة والمناطق المجاورة، وارتبط اسمه في ذاكرة كثيرين بلحظات من اللقاء والفرح والراحة.
ديريك بوابة إلى الفن والإعلام
لم يبقَ منتجع عازار محصورًا في النشاط السياحي، بل أصبح مساحة استقبلت شخصيات من عالم الفن والإعلام.
وبحسب شهادة الأبناء، استقبل والدهم في المنتجع شخصيات فنية وإعلامية معروفة، من بينهم جورج قرداحي، عازار حبيب، سلوم حداد، حاتم علي، علي كريم، ميلاد يوسف، وديع مراد، سامر كبرو، ومي سكاف، إلى جانب العديد من الشخصيات الأخرى.
ساهم هذا الحضور في جعل المنتجع مساحة تجمع بين الزوار وأبناء المدينة والضيوف القادمين من خارجها، وأتاح لديريك أن تكون حاضرة في مشهد ثقافي وفني أوسع.
الإنسان قبل المشروع
لكن قصة شكري عازار، كما يرويها أبناؤه، لا تتوقف عند المشاريع.
فخلف صاحب المطعم والمنتجع كان هناك أب وإنسان يرى أن النجاح لا تكتمل قيمته إذا لم ينعكس على الآخرين.
كان يفتح أبواب العمل أمام الشباب الذين يحتاجون إلى فرصة، ويساهم في حل بعض الخلافات الاجتماعية، ويساعد المحتاجين بصمت، ويدعم مبادرات ثقافية وفنية داخل المدينة.
وكان يرى أن العمل ليس فقط وسيلة لكسب الرزق، بل مسؤولية أيضًا تجاه المجتمع.
القيم التي انتقلت إلى الأبناء
يقول أبناؤه إنهم لم يتعلموا من والدهم الكلام فقط، بل تعلموا من طريقته في الحياة.
تعلموا احترام الآخرين، والعمل الشريف، والدفاع عن الرزق والتعب، والأمانة، والالتزام، والتمسك بالصحيح.
ومن العبارات التي بقيت حاضرة في تربيتهم:
«لا يصح إلا الصحيح.»
أما النجاح الحقيقي، فلم يكن بالنسبة إليهم مجرد جمع المال أو امتلاك المشاريع، بل القدرة على إدخال السعادة إلى قلوب الناس وترك أثر طيب أينما ذهب الإنسان.
ولهذا يرون أن والدهم علّمهم أن الإنسان يُعرف من أفعاله، لا من كلامه، وأن العائلة هي الأصل والسند، وأن المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بجهود أبنائها وانتمائهم إليها.
«بابا… شكري عازار»
وعندما يُطلب من الأبناء توجيه رسالة إلى والدهم، تأتي كلماتهم بسيطة، لكنها تختصر الكثير:
«بابا، كل ما نحن عليه اليوم هو امتداد لجذورك. شكرًا لأنك كنت الأب والقدوة.»
أما عبارة «أبي… شكري عازار»، فتعني بالنسبة إليهم القوة والدعم والطمأنينة.
مجرد التفكير بأنه والدهم يمنحهم شعورًا بالغنى الداخلي، وكأنهم يملكون مدينة كاملة.
يصفونه بأنه جبل شامخ؛ النظر إليه يمنحهم القوة والحنان، والوقوف إلى جانبه يمنحهم شعورًا بالأمان.
أمنية الأبناء
لا يبحث الأبناء عن المزيد من الإنجازات لوالدهم بقدر ما يتمنون أن يروه مرتاحًا وفخورًا بما أنجزه، محاطًا بأحبائه، متمتعًا بالصحة، ويرى نجاح أبنائه وأحفاده.
فبعد رحلة طويلة من العمل، تصبح الراحة نفسها إنجازًا، ويصبح اجتماع العائلة حول الأب صورة تختصر الكثير من معنى الحياة.
—
رسالة شخصية
بقلم: ميلاد كوركيس
مشرف مشروع: Memora 360
إلى السيد شكري عازار (أبو عازار)،
وإلى عائلته الكريمة،
وإلى أبنائه وأحفاده الأعزاء…
ليست هذه الكلمات رسالة عابرة، ولا سطورًا تُكتب من باب الواجب، بل هي رسالة محبة صادقة من شخص اقترب من هذه العائلة عن قرب، ورأى فيها ما يتجاوز الأسماء والصفات.
عرفتها بيتًا يجتمع فيه الاحترام، وتسكنه الألفة، ويُربّى فيه الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
تعرفت إلى هذه الأسرة من خلال أبنائها وبناتها؛ الإخوة عازار وفرح، والأخوات غصون، وحلا، وكرستينا، فكان حضورهم مرآة صادقة لتربية متجذرة في القيم، وعلاقة قائمة على الصدق والتماسك والوفاء.
عائلة لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تترك أثرًا، ولا تبحث عن الظهور كي يشعر من حولها بحضورها.
وفي هذا السياق الإنساني، لا يمكنني إلا أن أتوقف بكل تقدير واحترام عند السيدة ناديا إيليا، شريكة حياة السيد شكري عازار، ورفيقة مسيرته، ووالدة أبنائه.
كانت، وما زالت، القلب الصابر، والدعم الهادئ، والقوة التي لا تحتاج إلى إعلان.
فخلف كل مسيرة طويلة، هناك تفاصيل لا تظهر دائمًا في الصور ولا تُذكر في عناوين المشاريع، لكنها تكون حاضرة في الحياة اليومية؛ في الصبر، وفي تحمل المسؤولية، وفي الوقوف إلى جانب الأسرة، وفي حفظ البيت والقيم.
وشخصيًا، لا أستطيع أن أنسى أجمل أيام حياتي، ولا صيف طفولتي الذي عشته بين أروقة منتجعكم.
هناك، لم تكن الأيام مجرد عطلة، بل كانت ذكريات نقية تشبه الفرح الأول، وملامح أمان لا تُنسى.
لم نشعر يومًا أننا قصدنا مكانًا غريبًا؛ كنا ندخل وكأننا ندخل بيتًا يعرفنا، ونغادر ونحن نشعر أننا جزء من العائلة.
كان الدفء حاضرًا في التفاصيل، والطمأنينة في الوجوه، لأن التعامل لم يكن يومًا تجاريًا أو عابرًا، بل كان نابعًا من طيبة القلب، وصادق المودة، واحترام الإنسان لكونه إنسانًا قبل أي شيء آخر.
تلك المشاعر لا تُشترى، ولا تُصنع صدفة؛ إنها تُزرع بأخلاق أصحاب المكان، ثم تبقى محفوظة في الذاكرة كجزء جميل من العمر.
لم نرَ منكم يومًا إلا المحبة، ولم نلمس في تعاملنا معكم إلا صفاء النية ونبل الأخلاق وصدق المشاعر.
وهذه بحد ذاتها شهادة حية؛ لا تُكتب بحبر، ولا تحتاج إلى توقيع، بل تُقرأ في السلوك، وتُفهم من المواقف، وتبقى في الذاكرة.
ومن حقكم أن تفتخروا بالسيد شكري عازار، ليس فقط بما أنجزه أو بما بناه، بل بما تركه من أثر إنساني، وبما غرسه من قيم في عائلته ومدينته.
فالإرث الحقيقي لا يُقاس بحجم المشاريع وحدها، بل بعمق الأثر.
ولا يُحفظ في الصور فقط، بل في قلوب الناس.
وربما لهذا السبب، حين نتحدث عن شكري عازار، لا نتحدث عن منتجع أو مطعم أو مشروع فقط، بل عن رجل اختار أن يبني في المكان الذي أحبّه، وأن يجعل من العمل وسيلة للحياة، ومن النجاح مساحة لمن حوله، ومن العائلة امتدادًا لكل ما بدأه.
وهكذا تبقى الحكاية…
حياة كُتبت بالعمل، وحُفظت في الذاكرة.
شكري عازار (أبو عازار)
حياة كُتبت بالعمل… وحُفظت في الذاكرة
بشهادة الأبناء
إعداد و كتابة : ميلاد كوركيس
أمضي وأحملُ في خطايَ حكايةًوأصونُ ما صنعَ الزمانُ من الأثرِ


Read Next:
تواصل معنا
من يرغب في مشاركة معلومات أو مصادر يمكن أن تسهم في إثراء المشروع وتعزيز دقته وموثوقيته.لإرسال المواد أو الاستفسارات أو المقترحات، يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني :

Info@memora360.

Schreibe einen Kommentar