أديبة يعقوب عبدو عطية
امرأة حملت الذاكرة وحوّلتها إلى رسالة إنسانية

إعداد و كتابة : ميلاد كوركيس

أمضي وأحملُ في خطايَ حكايةًوأصونُ ما صنعَ الزمانُ من الأثرِ

ليست كلُّ السِيَر تُكتب لأن صاحبها كان في دائرة الضوء، ولا لأن الحياة منحت صاحبها طريقًا مستقيمًا نحو النجاح. هناك سيرٌ تستحق أن تُروى لأنها تحمل في تفاصيلها أكثر من حياة إنسان؛ تحمل ذاكرة عائلة، وتجربة وطن، وحكاية اغتراب، ورحلة بحث عن الذات، وإيمانًا بأن الإنسان يستطيع أن يحوّل ما مرّ به إلى معنى يتجاوز حدود حياته الشخصية.

ومن هذا النوع تأتي سيرة أديبة يعقوب عبدو عطية؛ امرأة حملت معها ذاكرة ثقيلة من التاريخ، وعاشت تجربة الهجرة والاغتراب، وخاضت ميادين التعليم والعمل والثقافة والإعلام، لكنها لم تسمح للذاكرة أن تتحول إلى جدار يفصلها عن الآخرين، بل جعلت منها جسرًا يصل الماضي بالحاضر، والهوية بالعالم، والإنسان بالإنسان.

ذاكرة ولدت من الألم

وُلدت أديبة في بيئة سريانية سورية كانت تحمل في ذاكرتها آثار واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ المنطقة. فقد كان والدها من الناجين من مجازر عام 1915 التي تعرّض لها السريان والأرمن في زمن الدولة العثمانية، وحملت العائلة في ذاكرتها قصة إنسانية مؤلمة عاشها الأب بنفسه؛ فقد رأى أخاه يُقتل أمام عينيه، وسُبيت أخته، وفُقد أخٌ آخر، كما قُتل والده.

لكن تلك الذاكرة، على قسوتها، لم تتحول داخل العائلة إلى مشروع كراهية أو رغبة في الانتقام. كانت الرسالة مختلفة؛ أن تبقى الذاكرة حية حتى لا يتكرر الظلم، وأن يعرف الإنسان تاريخه دون أن يسمح للماضي بأن يصادر مستقبله.

ومن هذا المعنى نشأت أديبة، حاملةً معها ذاكرة لم تكن مجرد روايات تُحكى في البيت، بل جزءًا من وعيها المبكر بالإنسان والتاريخ والهوية.

القامشلي… المدرسة الأولى

نشأت أديبة في زالين – القامشلي، المدينة التي كانت وما زالت تحمل في ذاكرتها صورةً غنية عن التعدد الثقافي والديني في الجزيرة السورية. هناك تشكلت ملامح طفولتها الأولى، وهناك تعلّمت أن المدينة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالعلاقات الإنسانية التي تنشأ بين أهلها، وبقدرة المختلفين على مشاركة المكان والذاكرة والحياة.

كانت القامشلي بالنسبة إليها أكثر من مدينة؛ كانت المدرسة الأولى التي تعلّمت فيها معنى المجتمع، والانتماء، والاختلاف، والتعايش. وفي شوارعها وبيوتها وأسواقها بدأت تتشكل شخصية ستجد لاحقًا في التعددية الثقافية واحدة من أهم القضايا التي تحملها معها أينما ذهبت.

التعليم… حين تتحول المهنة إلى رسالة

مع مرور السنوات اتجهت أديبة نحو التعليم، ولم تنظر إليه باعتباره وظيفة تؤدى ثم تنتهي ساعاتها، بل باعتباره مسؤولية تجاه الإنسان. درست وتأهلت للعمل كمعلمة ومرشدة اجتماعية، ثم عملت في ثانوية القادسية للبنات في القامشلي، حيث كانت قريبة من الطالبات ومن تفاصيل حياتهن اليومية.

كان التعليم بالنسبة إليها مساحة لبناء الشخصية قبل أن يكون وسيلة لنقل المعلومات؛ مساحة تساعد الإنسان على اكتشاف قدراته، وتعزز ثقته بنفسه، وتفتح أمامه أبواب التفكير والمستقبل.

وهكذا بدأت ملامح رسالتها تتضح مبكرًا: الإنسان أولًا، والتعليم وسيلة لبناء الإنسان.

من الوطن إلى أستراليا

في السادس من تشرين الثاني عام 1976 غادرت أديبة سوريا مع عائلتها، لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها في أستراليا، ووصلت إلى ملبورن في كانون الثاني عام 1977.

كان الرحيل انتقالًا بين عالمين. فمن وطن يحمل اللغة والذاكرة والوجوه المألوفة، إلى مجتمع جديد بلغة مختلفة وثقافة مختلفة وإيقاع حياة لم يكن يشبه ما عرفته في طفولتها.

كانت صدمة الاغتراب الأولى حقيقية، لكن أديبة اختارت ألا تجعل الغربة نهاية للحكاية، بل بداية لفصل جديد منها.

بدأت العمل في وظائف بسيطة، ثم تابعت دراستها في جامعة لاتروب في ملبورن، حيث درست المحاسبة وعلوم الحاسوب. وبينما كانت تعيد بناء حياتها في مجتمع جديد، كانت تحمل معها تجربتها الأولى في التعليم، وذاكرتها السورية، وإيمانها بأن الإنسان قادر على التعلم والتطور مهما تغير المكان.

امرأة سبقت زمنها

في عام 1978 أسست في جامعة لاتروب أول نادٍ طلابي متعدد الثقافات، في مرحلة لم يكن مفهوم التعددية الثقافية قد ترسخ في المجتمع الأسترالي بالصورة التي أصبح عليها لاحقًا.

لم يكن تأسيس النادي مجرد نشاط طلابي عابر، بل انعكاسًا مبكرًا لرؤية أديبة تجاه المجتمع؛ رؤية تؤمن بأن اختلاف الخلفيات والثقافات لا يجب أن يكون سببًا للعزلة، بل يمكن أن يتحول إلى مساحة للتعارف والتعاون وتبادل الخبرات.

كانت التعددية بالنسبة إليها تجربة معيشة، لا مجرد مفهوم نظري؛ فهي نفسها كانت امرأة انتقلت من مجتمع إلى مجتمع، ومن لغة إلى لغة، ومن وطن إلى وطن، ولذلك كانت تعرف معنى أن يبحث الإنسان عن مكان يشعر فيه بأنه جزء من الحكاية.

من التعليم إلى عالم الأعمال

لم تتوقف مسيرتها عند التعليم والعمل الاجتماعي، بل دخلت مجالات مهنية مختلفة، واستطاعت أن تحقق حضورًا لافتًا في بيئات كانت مشاركة النساء فيها محدودة.

أصبحت أول امرأة في أستراليا تتولى منصب مديرة قسم التصدير في شركة لتصدير اللحوم، وهو موقع كان تقليديًا مرتبطًا بالرجال، ثم أسست لاحقًا وكالة للسياحة والسفر في ملبورن، لتكون من النساء اللواتي خضن عالم الأعمال في هذا المجال.

كانت تجربتها المهنية تعكس جانبًا آخر من شخصيتها؛ الاستقلال، والمبادرة، والقدرة على دخول مجالات جديدة دون أن تجعل الصورة التقليدية للأدوار المهنية سقفًا لطموحها.

خمسة وعشرون عامًا في خدمة المجتمع

لاحقًا التحقت أديبة بالعمل في مكتب الضرائب الأسترالي الفيدرالي، واستمرت في خدمتها هناك لمدة خمسة وعشرين عامًا.

عملت في مجالات التدقيق والتثقيف الضريبي، وقدمت المحاضرات والإرشادات للمؤسسات التجارية وللجاليات المتعددة الثقافات، كما ساعدت عددًا من المهاجرين الجدد على فهم النظام الأسترالي والتأقلم مع حياتهم الجديدة.

وهنا أخذت تجربتها معنى أوسع؛ فلم تعد مجرد مهاجرة تبني مستقبلها، بل أصبحت أيضًا شخصًا يساعد مهاجرين آخرين على فهم المجتمع الذي أصبح وطنهم الجديد.

كانت تعرف أن أصعب لحظات الغربة ليست دائمًا في الوصول، بل في محاولة فهم المكان الجديد والعثور على لغة مشتركة معه.

صوتٌ يتحدث باسم التعددية

امتد حضور أديبة إلى العمل الإعلامي والثقافي، فشاركت في إعداد وتقديم برامج إذاعية موجهة إلى الشباب والجاليات المهاجرة، وعملت مع عدد من الإذاعات متعددة الثقافات في أستراليا، من بينها ABC وSBS و3ZZZ و3CR.

ومن خلال الإعلام، واصلت الرسالة ذاتها التي رافقتها منذ سنواتها الأولى: فتح مساحة للحوار، وتشجيع الشباب على الاندماج الإيجابي، وتعريف المجتمع بثقافات مختلفة، وإعطاء الجاليات المهاجرة مساحة للتعبير عن ذواتها وذاكرتها.

لم يكن صوتها يبحث عن إلغاء الاختلاف، بل عن طريقة تجعل الاختلاف قابلًا للحوار.

الذاكرة السريانية… من الماضي إلى المستقبل

إلى جانب عملها المهني والإعلامي، كان التاريخ السوري والحضارة السريانية والهوية الثقافية حاضرًا في نشاط أديبة الفكري.

شاركت في مؤتمرات ومنتديات محلية ودولية، وقدمت أبحاثًا ومحاضرات تناولت التاريخ السوري والحضارة السريانية ودور الثقافة في بناء جسور التواصل بين الشعوب.

وكانت رؤيتها تنطلق من فكرة أساسية: أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، وأن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الجذور.

فالإنسان يستطيع أن يحمل لغته وذاكرته وتاريخه معه، وفي الوقت نفسه يمد يده إلى الآخر.

حين تصبح الكلمات بيتًا آخر

كان للأدب مكان خاص في حياة أديبة. فبعد أن عاشت الوطن والهجرة والذاكرة والاغتراب، وجدت في الكتابة مساحة أخرى للتعبير عن تلك التجارب.

كتبت الشعر والنصوص الأدبية، وتناولت في أعمالها الحنين إلى الوطن، وذاكرة السيفو، وتجربة الإنسان في غربته، وأسئلته الوجودية، وما يتركه الرحيل في روح الإنسان.

ومن أعمالها الشعرية والأدبية:

قمر على كتفي
همسات الفجر
قطرات الندى
Silence of the Moon
Catch the Whispers

ولم تتوقف علاقتها بالكلمة عند الكتابة، بل أسست أيضًا موقعًا إلكترونيًا للنشر الثقافي، بهدف دعم الكتاب والمفكرين ونشر أعمالهم، وتشجيع تعلم اللغة السريانية والحفاظ على حضورها الثقافي.

وهكذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليها امتدادًا للذاكرة، وأصبح الأدب مساحة تستطيع من خلالها أن تقول ما لا تستطيع الحياة اليومية قوله.

التكريم… حين يلتقي العطاء بالتقدير

على امتداد سنوات عملها وخدمتها للمجتمع، حصلت أديبة على عدد من الجوائز والتكريمات في أستراليا.

ومن أبرزها حصولها عام 2009 على جائزة Harmony Hero من مكتب الضرائب الأسترالي، تقديرًا لدورها في خدمة المجتمع وتعزيز التفاهم بين الثقافات.

كما رُشحت لجائزة الأسترالي للعام عام 2015، واختيرت ضمن قائمة النساء الأستراليات المتميزات في مجالات القيادة والعمل المجتمعي.

لكن الجوائز، مهما كانت قيمتها، تبقى جزءًا واحدًا من الحكاية. فالأثر الحقيقي لأي إنسان لا يُقاس فقط بما يوضع على الرفوف من شهادات، بل بما يبقى في حياة الآخرين بعد أن تنتهي المناسبة وتُطوى صفحات التكريم.

امرأة بين وطنين… ورسالة واحدة

يمكن النظر إلى تجربة أديبة يعقوب عبدو عطية باعتبارها رحلة طويلة بين أماكن وثقافات ومراحل مختلفة؛ طفولة في القامشلي، وتجربة تعليمية ومهنية في سوريا، ثم هجرة إلى أستراليا، وبداية جديدة في ملبورن، ثم سنوات من الدراسة والعمل والإعلام والثقافة وخدمة المجتمع.

لكن خلف كل هذه التفاصيل بقي خيط واحد يجمع الحكاية كلها: الإنسان.

فهي لم تتخلَّ عن ذاكرتها حين غادرت وطنها، ولم تجعل ذاكرتها سببًا للانغلاق حين وصلت إلى وطن جديد. حملت تاريخها معها، وفتحت في الوقت نفسه أبوابًا للحوار، وعملت على أن يكون اختلاف الثقافات مساحة للتعارف لا للصراع.

لقد تحولت تجربتها من قصة هجرة فردية إلى تجربة إنسانية أوسع؛ تجربة تقول إن الاغتراب لا يعني فقدان الجذور، وإن الهوية يمكن أن تعيش في أكثر من مكان، وإن الذاكرة تصبح أكثر قوة عندما تتحول من حكاية عن الماضي إلى رسالة للمستقبل.

أديبة… حين تصبح الذاكرة مسؤولية

في نهاية هذه السيرة، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: كم وظيفة شغلت أديبة؟ أو كم جائزة حصلت عليها؟ أو كم كتابًا كتبت؟

السؤال الأهم هو: ماذا فعلت بكل ما حملته معها؟

حملت ذاكرة عائلتها، فاختارت أن تحفظها.
حملت تجربة وطنها، فاختارت أن تتحدث عنها.
حملت هويتها، فاختارت أن تعرّف بها.
حملت تجربة الغربة، فاختارت أن تساعد الآخرين على تجاوزها.
وحملت موهبتها في الكتابة، فاختارت أن تجعل من الكلمة مساحة للإنسان.

وهنا تكمن قيمة سيرتها؛ في قدرتها على الجمع بين الجذور والانفتاح، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين الهوية والإنسانية.

إنها سيرة امرأة لم تسمح للماضي أن يكون عبئًا فقط، بل حاولت أن تجعله معرفة، ولم تسمح للغربة أن تكون فقدانًا فقط، بل جعلتها فرصة لبناء جسور جديدة.

وفي ذاكرة Memora 360، تبقى مثل هذه الحكايات جديرة بأن تُروى؛ لأن الوطن لا يُختصر في الجغرافيا، والذاكرة لا تتوقف عند الحدود، والإنسان يستطيع أحيانًا أن يحمل وطنًا كاملًا في كلماته، ثم يترك أثره في وطنٍ آخر.

—

رسالة شخصية من ميلاد كوركيس

مشرف مشروع Memora 360

حين نكتب عن السيدة أديبة يعقوب عبدو عطية، فإننا لا نكتب فقط عن امرأة عاشت بين سوريا وأستراليا، ولا عن مسيرة مهنية وثقافية امتدت عبر عقود، بل نكتب عن تجربة إنسانية تختصر كثيرًا من الأسئلة التي عاشها أبناء جيل الهجرة والاغتراب؛ كيف نحافظ على ذاكرتنا دون أن نبقى أسرى للماضي؟ وكيف نحمل هويتنا معنا دون أن نغلق أبوابنا أمام العالم؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحوّل تجربته الشخصية إلى منفعة للآخرين؟

ما يلفتني في مسيرتها هو هذا الجمع بين الذاكرة والانفتاح؛ فقد حملت معها تاريخ عائلتها وذاكرة شعبها، لكنها لم تستخدم تلك الذاكرة لبناء المسافات، بل جعلتها مساحة للحديث والحوار والتعريف بالثقافة والإنسان.

لقد وجدت في تجربتها صورة للإنسان الذي لا يكتفي بأن يعيش حياته، بل يحاول أن يمنحها معنى. من التعليم إلى العمل، ومن الإعلام إلى الثقافة، ومن الكتابة إلى خدمة الجاليات، ظلت هناك رغبة واضحة في أن تكون المعرفة وسيلة للتقارب، وأن تكون الهوية مصدرًا للغنى لا سببًا للعزلة.

ومن خلال Memora 360، نحاول أن نحفظ مثل هذه السير لا باعتبارها صفحات من الماضي فحسب، بل باعتبارها شهادات إنسانية يمكن للأجيال القادمة أن تقرأ فيها شيئًا من تاريخنا، ومن تحولات مجتمعاتنا، ومن قدرة الإنسان على أن يبدأ من جديد مهما كانت المسافات بعيدة.

تحية تقدير واحترام للسيدة أديبة يعقوب عبدو عطية، ولكل إنسان حمل ذاكرته معه، وحافظ على جذوره، وفتح في الوقت نفسه قلبه للعالم.

فالذاكرة حين تحملها القلوب لا تموت، وحين تتحول إلى رسالة تصبح إرثًا للأجيال.

Schreibe einen Kommentar

تواصل معنا

من يرغب في مشاركة معلومات أو مصادر يمكن أن تسهم في إثراء المشروع وتعزيز دقته وموثوقيته.لإرسال المواد أو الاستفسارات أو المقترحات، يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني :

Info@memora360.

Translate »

Entdecke mehr von Memora 360

Jetzt abonnieren, um weiterzulesen und auf das gesamte Archiv zuzugreifen.

Weiterlesen