سهيل بطرس يوسف
سيرة المربي الذي علّم القلوب قبل العقول
بشهادة زوجته ورفيقة دربه: السيدة حنان جبرو (هوري)
إعداد: ميلاد كوركيس
مشرف مشروع: Memora 360 – Arabic
كان الحي، في ظاهره، مجرد مساحة صغيرة على أطراف المدينة، لكنه في الذاكرة لم يكن كذلك أبدًا. كان عالمًا مكتملًا، له روحه التي لا تُرى لكنها تُحس، وكان كل حجر فيه يحمل حكاية، وكل زاوية تحفظ أثر من مرّ بها، وكأن الزمن، رغم قسوته، لم يستطع أن ينتزع منه التفاصيل الصغيرة التي صنعت معناه الحقيقي.
هناك، حيث كانت الحياة تُعاش ببساطة لا تخلو من العمق، وحيث كانت العلاقات تُبنى على القرب والمودة لا على المصالح، تشكّلت ملامح جيل كامل، وتكوّنت ذاكرة جماعية ما زالت تنبض رغم الغياب. في ذلك المكان، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك، بل بما يتركه في قلوب الآخرين، وكان الحضور الحقيقي يُقاس بصدق الإنسان وأخلاقه، لا بمدى ظهوره.
ومن بين تلك الوجوه التي مرّت بهدوء، لكنها بقيت، يبرز اسم الأستاذ الراحل سهيل بطرس يوسف، لا كاسم عابر في سجل الذاكرة، بل كجزء من نسيجها، وكأحد أولئك الذين لا يمكن فصلهم عن المكان حتى بعد رحيلهم.
لم يكن حضوره صاخبًا، ولم يكن ساعيًا إلى لفت الانتباه، لكنه كان واضحًا كضوء ثابت؛ يُرى دون أن يُفرض، ويُحس دون أن يُعلن عن نفسه.
كان من أولئك الذين يتركون أثرهم في الآخرين دون أن يقصدوا، ومن الذين يمشون في الحياة بخفة، لكنهم يتركون خلفهم ما هو أثقل من الزمن؛ أثرًا يبقى، ويتكرر، ويعود كلما عادت الذكريات إلى مكانها الأول.
الإنسان قبل كل شيء
من قلب هذا الامتداد الإنساني، تتحدث زوجته ورفيقة دربه، السيدة حنان جبرو (هوري)، التي لم ترَ فيه مجرد زوج، بل رأت حياة كاملة تتجسد في إنسان واحد.
تقول إن سهيل كان إنسانًا حقانيًا، حكيمًا في مواقفه، لا يميل إلا إلى الصدق، ولا يعرف طريقًا إلا طريق الكرامة. لم يكن ماديًا، وكان يرى قيمة الإنسان فيما يعطيه لا فيما يملكه، وكان محبًا للعطاء دون مقابل؛ يعطي لأن العطاء كان جزءًا من طبيعته.
وتضيف حنان أن قلبه كان حنونًا إلى حد يصعب وصفه بالكلمات، وأن حضوره في البيت لم يكن حضور أب تقليديًا، بل حضور إنسان قريب؛ صديقًا وأخًا وملاذًا.
كان يعيش مع بناته ليال، وميريل، وتيا تفاصيل حياتهن دون حواجز، وكان حاضرًا في أفراحهن وهمومهن بالقدر نفسه من الصدق والاهتمام. وكان وفيًا لبلده وأهله، يراهم امتدادًا لذاته، لا مجرد محيط يعيش فيه.
أما بالنسبة إليها، فلم يكن سهيل زوجًا فقط؛ كان الأخ والأب والصديق، وكان الروح التي تتنفس بها والنفس الذي تعيش به. ولهذا فإن غيابه، كما تقول، لا يُقاس بالزمن، بل بما تركه من فراغ لا يُملأ.
أب بقي حاضرًا بعد الغياب
ومن هذا البيت، ومن هذا الحب الذي لم ينقطع، تتحدث الذاكرة بصوت بناته، فتحمل كل واحدة منهن صورة مختلفة للأب نفسه؛ صورة تكشف جانبًا من شخصيته وتكمل جوانب أخرى منها.
تقول ابنته البكر ليال، زوجة آندريه، إن كلمات والدها وحكمته ما زالت نورًا لطريقها، وإنه واجه مرضه بإيمان وقوة.
كان يقف أمامها صامدًا، يطمئنها بأن كل شيء سيكون بخير، بينما كان يحتمل ألمه بصمت. ولهذا، فإن رحيله لم يُنهِ حضوره في حياتها؛ فما زال صوته يرافقها، وكأنها تسمعه كلما ضاقت بها الدنيا يقول لها:
«بنتي، أنا معك.»
وتقول إن قوته ما زالت تسكنها، وإن نظرته لا تزال ترشدها، وإن الأب الذي رحل بجسده بقي حاضرًا في تفاصيلها ومواقفها وقراراتها.
أما ابنته ميريل، زوجة جورج، فتستعيده بصورة مليئة بالحياة.
تصفه بأنه كان كتلة من الحنان والعطاء والمحبة، والروح الفَرِحة في كل جلسة، والحديث المسلي، وصاحب القصص والحكايات الجميلة.
كان كل من عرفه يحبه لتواضعه وابتسامته وخفة ظله التي كانت تدخل القلوب دون استئذان. وكان يحب السرعة، لكن بدقة؛ وكما كان يريد دائمًا أن ينهي كل شيء بسرعة، رحل بسرعة حتى لا يُتعب أحدًا معه، كما تقول ابنته في وصف يحمل بين كلماته الألم والابتسامة معًا.
لكنه، رغم الرحيل، بقي حاضرًا بروحه وظله الخفيف، في تفاصيل حياتهم وفي كل يوم يمر عليهم.
أما تيا، ابنته الصغرى، فتبقى حاضرة في هذا المشهد كامتداد هادئ لذلك الحب. حضورها ليس في كثرة الكلمات، بل في الصمت الذي يحمل ذاكرة كاملة، وفي التفاصيل التي لا تحتاج إلى رواية طويلة كي تُفهم.
المربي الذي ترك أثرًا
لم يكن سهيل بطرس يوسف مجرد أب داخل أسرته، ولا مجرد رجل عرفه أبناء الحي، بل كان أيضًا مربيًا ترك أثرًا في نفوس من عرفوه.
كانت علاقته بالناس تقوم على البساطة والاحترام والصدق، وكان حضوره يمنح المكان شيئًا من الطمأنينة. وربما لهذا السبب بقي اسمه مرتبطًا في ذاكرة من عرفوه بصورة الإنسان الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام كي يترك أثرًا.
فالإنسان، في النهاية، لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، ولا بعدد الأشياء التي امتلكها، بل بعدد القلوب التي أصبحت أكثر دفئًا لأنها عرفته.
رسالة شخصية من ميلاد كوركيس
إلى روح الأستاذ الطيب والرياضي الخلوق، الأستاذ الراحل سهيل بطرس يوسف (أبو ليال)…
يا أستاذي العزيز، يا من تركت أثرًا خالدًا في القلوب قبل العقول.
لقد قضيت طفولتي في منزل جدي وجدتي، والدي والدتي، في ذلك الحي الذي ما زالت ذكراه تنبض في داخلي كما لو كان الأمس.
هناك، بين الأزقة الضيقة والبيوت المتجاورة، تعرّفت عليك لأول مرة؛ لا كمعلم فقط، بل كإنسان بطباع نقية وابتسامة تشرق كل صباح.
كان متجرك الرياضي ملاصقًا تقريبًا لمنزل جدي، فكنت أراك كل صباح قبل أن أبدأ يومي باللعب. وكانت ابتسامتك الصافية تفتح لي بابًا إلى عالم من الطيبة والألفة؛ عالم أحببت أن أعيش فيه طفولتي.
ولم تكن وحدك.
ففي الحي عاشت وجوه تركت أثرها في نفسي؛ العم الراحل صبري يعقوب (دلالي)، وزوجته السيدة الراحلة مقبولة اسطيفو، والأستاذ الراحل أفرام لحدو (أبو أيهم)، وزوجته عمتي الراحلة بسنة يعقوب (دلالي)، إضافة إلى صديقك العزيز العم بهيج فقه، وجميل الخياط، وغيرهم من الطيبين الذين صنعوا معك أجواء من المحبة والدفء، وأضفوا على الحي روحًا جميلة لا تُنسى.
كان الحي بالنسبة لي قطعة من الجنة؛ مكانًا تنبت فيه الضحكة بسهولة، وتكبر الأرواح على بساطة الحياة ونقاء القلوب.
ومعك بشكل خاص، تعلّمت أن الإنسان يستطيع أن يزرع الطيبة في النفوس بمجرد ابتسامته وطيب قلبه، وأن أثر الإنسان الحقيقي يُقاس بما يتركه في حياة الآخرين، لا بما يملك أو يحقق من إنجازات.
لقد كنت، بشهادة من عرفك، محبًا ومعطاءً، صديقًا للكل. ومن عرفك لا يمكنه أن ينسى دفء روحك وكرمك الذي لم يعرف حدودًا.
وكلما سقطت ورقة من ذلك الحي، شعرت أنها تحمل ألم ذكرى؛ تذكرني بغيابك وبالزمن الجميل الذي جمعنا.
لكنني أردت، وما زلت أريد، أن تُخلّد ذكراك وسيرة حياتك، لتبقى حية في قلوب عائلتك ومحبيك ورفاقك الأوفياء.
في كل صباح، كانت خطواتك في الحي درسًا في الطيبة والحنان، وكانت ابتسامتك كالشمس حين تشرق في فجر صافٍ، تلمس الوجوه بالدفء.
وكانت كلماتك تنساب كالمطر في ربيع ينبت الأمل، وكانت ضحكتك موسيقى تملأ الأزقة، وكانت نصائحك دفئًا يسكن الروح ويزرع الحكمة في النفوس.
ومضيت… لكن ما مضت ذكراك.
رحلت بالجسد، لكن القلوب التي أحبّتك أبقتك حيًا فيها.
نذكرك في صمت الليل، وفي ضحكة الأطفال، وفي رائحة الأزقة القديمة، وفي كل صباح يبدأ بابتسامة تشبه ابتسامتك.
نم بسلام يا أستاذًا أحبّه القلب قبل أن يعرفه العقل، يا من تركت في داخلي أثرًا لا يُمحى، وفي روحي ظل أيام مضت؛ ظلًا من دفء وعطف وحب لا يزول.
وعندما نظن أن الحكاية انتهت، نكتشف أن بعض القصص لا تعرف النهاية، وأن الإنسان الطيب لا يغيب، بل يتحول إلى حضور دائم في الذاكرة؛ إلى صوت يُستعاد، وإلى أثر لا يُمحى.
وهكذا ينتهي الكلام، لكن الذكرى لا تنتهي.
وينطفئ الحبر، لكن الضوء يبقى.
ويبقى اسم سهيل بطرس يوسف حاضرًا، كما كان دائمًا، في ذاكرة الناس.
سهيل بطرس يوسف
سيرة المربي الذي علّم القلوب قبل العقول
بشهادة زوجته ورفيقة دربه: السيدة حنان جبرو (هوري)
إعداد و كتابة : ميلاد كوركيس
أمضي وأحملُ في خطايَ حكايةًوأصونُ ما صنعَ الزمانُ من الأثرِ


Read Next:
تواصل معنا
من يرغب في مشاركة معلومات أو مصادر يمكن أن تسهم في إثراء المشروع وتعزيز دقته وموثوقيته.لإرسال المواد أو الاستفسارات أو المقترحات، يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني :

Info@memora360.

Schreibe einen Kommentar