ملفونو أسعد صوما… رائد السيرولوجيا بين شغف اللغة وتحدّي الذاكرة

إعداد و كتابة : ميلاد كوركيس

أمضي وأحملُ في خطايَ حكايةًوأصونُ ما صنعَ الزمانُ من الأثرِ

في القامشلي، زالين، بدأت حكاية رجل ستصبح اللغة بالنسبة إليه أكثر من وسيلة للتواصل؛ ستصبح هوية، وذاكرة، وانتماءً، ومشروع حياة. هناك، في بيت تشكلت جدرانه من الكتب والقصائد والترانيم وحكايات الأجداد، ولد ملفونو أسعد صوما، في بيئة عائلية ارتبط فيها العلم باللغة، وارتبطت اللغة بالذاكرة، وتحولت الثقافة إلى مسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

كان البيت الذي نشأ فيه أشبه بمدرسة عائلية مفتوحة. والده داويد أسعد كان رجلًا محبًا للعلم والبحث، متقنًا للعربية الفصحى، ومتمسكًا باللغة السريانية وتراثها، ويحمل في ذاكرته جذور مديات وروح دمشق وذكريات الآباء الذين تنقلوا بين مدن المشرق. لم يكن يرى السريانية مجرد لغة من لغات الماضي، بل كان يعتبرها جزءًا أساسيًا من الهوية التي ينبغي أن تنتقل من جيل إلى آخر.

أما والدته رومي نعمة، فكانت تمثل الجانب الدافئ من ذلك البيت؛ امرأة عُرفت بالتهذيب والكرم وحسن الضيافة، وكانت تستقبل أبناء مجتمعها ومحبي الثقافة السريانية بمحبة واحترام. وبين ثقافة الأب وحنان الأم، وبين الكتب والضيوف والأحاديث والقصائد، تشكلت شخصية الطفل أسعد.

كان الأب حريصًا على أن يتعلم أبناؤه اللغة السريانية، ونجح كل واحد منهم بدرجات مختلفة، لكن أسعد امتلك شيئًا إضافيًا؛ ذلك الشغف الذي لا يمكن أن تمنحه الكتب وحدها. كان يجد نفسه في اللغة، ويتعامل معها منذ طفولته باعتبارها جزءًا من حياته اليومية.

تعلم السريانية في سنواته الأولى، واستمع إلى كلمات والده في البيت، وبدأ يتعرف إلى الشعر والتراث السرياني. ومن بين الأصوات التي تركت أثرًا مبكرًا فيه صوت الملفونو عبدالمسيح قرباشي، الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم معلميه وأكثر الشخصيات تأثيرًا في مسيرته العلمية واللغوية.

التحق أسعد بالمدرسة السريانية الابتدائية وهو في الرابعة من عمره، وبدأت علاقته باللغة تنمو معه عامًا بعد عام. لم تكن السريانية بالنسبة إليه مادة مدرسية تنتهي بانتهاء الحصة، بل كانت لغة تتسلل إلى تكوينه الداخلي، وتكبر معه حتى أصبحت جزءًا من شخصيته واهتمامه الفكري.

وفي السابعة عشرة من عمره، وجد نفسه واقفًا أمام طلاب أكبر منه سنًا ليعلمهم اللغة. كان الخجل حاضرًا في تلك البداية، لكن التجربة كشفت له مبكرًا أن التعليم يمكن أن يصبح طريقه في الحياة. وخلال العطل الصيفية، عمل مدرسًا في مدارس الكنيسة، وبدأ يختبر للمرة الأولى معنى أن يحمل الإنسان مسؤولية لغة أمام جيل جديد.

إلا أن الطريق لم يكن خاليًا من الصعوبات. ومن أكثر ذكريات تلك المرحلة رسوخًا في ذاكرته حادثة وقعت عندما حضرت المخابرات إلى أحد الصفوف وسألته عما يدرّس. وعندما أجاب بأنه يعلّم السريانية، تعرض للصفع. كانت تلك الحقبة تشهد تضييقًا على تعليم اللغة السريانية في ظل سياسات التعريب، لكن الحادثة لم تدفعه إلى الابتعاد عن لغته، بل زادت تمسكه بها وإيمانه بضرورة الحفاظ عليها.

تابع دراسته في القامشلي، ثم انتقل إلى جامعة حلب حيث درس اللغات والأدب. وحتى في سنوات الجامعة، بقيت السريانية حاضرة في حياته، فكان يستثمر أوقات فراغه في دراستها والتعمق فيها، ولم يكن يتعامل معها بوصفها تخصصًا أكاديميًا فحسب، بل باعتبارها مجالًا يريد أن يكرس له حياته.

لاحقًا انتقل إلى السويد، وهناك اتخذت رحلته العلمية أبعادًا جديدة. التحق بـ جامعة أوبسالا ودرس اللغات السامية، وتخصص في مجال علم السريانيات، وواصل أبحاثه حتى حصل على درجة الدكتوراه قبل نحو ثلاثة عقود.

ومع السنوات، توسعت اهتماماته اللغوية إلى نطاق واسع. درس قرابة عشرين لغة، من بينها الأكادية والفينيقية وعدد من اللغات القديمة في العراق وسوريا، إلى جانب فروع متعددة من اللغات الآرامية، بما فيها الآرامية التي ارتبطت تاريخيًا ببيئة السيد المسيح.

لم يكن الهدف من دراسة هذه اللغات جمع المعرفة لمجرد المعرفة، بل محاولة فهم الجذور اللغوية والثقافية للمشرق، ووضع السريانية ضمن سياقها التاريخي واللغوي الواسع. وبذلك أصبحت حياته الأكاديمية امتدادًا طبيعيًا للشغف الذي بدأ في بيت العائلة عندما كان طفلًا صغيرًا.

عمل أسعد في التدريس والبحث العلمي، وأصبح معلمًا لأجيال من الطلاب في مراحل مختلفة. وبعض الذين تعلموا اللغة على يديه أصبحوا لاحقًا معلمين بدورهم، فتحولت المعرفة التي نقلها إليهم إلى سلسلة متواصلة من التعليم، وامتد أثره إلى أجيال لم يكن يعرفها شخصيًا.

ولم يتوقف عطاؤه عند التدريس، فقد نشر أكثر من خمسين كتابًا وبحثًا، وتولى رئاسة تحرير مجلتي «بَهرو سوريويو» و**«آرام»**، كما ساهم في تأسيس مجمع لغوي سرياني هدفه العمل على تطوير اللغة وتجديد مفرداتها بما يتناسب مع احتياجات العصر.

كان تأسيس المجمع بالنسبة إليه محطة مهمة؛ فالحفاظ على اللغة في نظره لا يعني فقط العودة إلى الكتب القديمة، وإنما منحها القدرة على الحياة في الحاضر والمستقبل. فاللغة التي لا تتطور مع أهلها معرضة لأن تتحول إلى مجرد ذاكرة، بينما اللغة الحية هي التي تستطيع أن تستوعب العلوم والمصطلحات والأفكار الجديدة.

لكن في مرحلة متقدمة من حياته، واجه أسعد واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها إنسان كرّس حياته للغة والذاكرة.

أصيب بجلطة دماغية خطيرة، دخل على إثرها في غيبوبة، ثم تعرض لاحقًا لجلطات أخرى. وبينما كان جسده يخوض معركة من أجل البقاء، كانت هناك معركة أخرى أكثر قسوة تجري في داخله؛ معركة مع الذاكرة.

نجا، وعاد إلى الحياة، لكنه عاد بذاكرة لم تعد كما كانت. الكلمات التي رافقته منذ الطفولة لم تعد حاضرة بالسهولة نفسها، واللغات التي درسها لعقود أصبحت تحتاج إلى جهد لاستعادتها. بالنسبة إلى رجل جعل اللغة محور حياته، كان فقدان جزء من ذاكرته أشبه بفقدان مفتاح إلى عالم بناه على مدى عقود.

دخل أسعد مرحلة جديدة من حياته، مرحلة إعادة التعلم. لم يستسلم لفكرة أن ما فقده قد لا يعود، بل بدأ يعمل على استعادة ذاكرته بنفسه. يقرأ، ويراجع، ويمارس تمارين الذاكرة، ويكرر الكلمات والمعلومات، ويحاول استعادة ما كان جزءًا طبيعيًا من عقله.

كانت رحلة طويلة وشاقة، لكنها كانت تحمل شيئًا من المفارقة الجميلة؛ رجل قضى حياته في تعليم الآخرين، وجد نفسه يعود مرة أخرى إلى موقع الطالب، يعيد تعلم ما كان يعرفه، ويستعيد خطوة بعد أخرى اللغات التي شكلت عالمه الفكري.

ورغم ما حدث، بقيت السريانية الفصحى في مركز اهتمامه. فهي بالنسبة إليه ليست مجرد نظام لغوي، وإنما جزء من هويته وانتمائه وذاكرته الثقافية. ولذلك ظل يدافع عن ضرورة تعليمها للأجيال، وعن أهمية أن يتحدث بها الآباء مع أبنائهم، وأن تجد مكانًا في المؤسسات التعليمية والثقافية.

ويرى أسعد أن اللغة الآرامية تشكل جزءًا من التراث المشترك للمشرق، وأن الحفاظ على اللغات والتراث المحليين يحتاج إلى رؤية تتجاوز الانقسامات، وإلى تعليم منهجي يربط الأجيال بلغاتها وثقافاتها.

كما يؤكد أهمية أن تكون اللغة قادرة على مواكبة العصر، من خلال تطوير المصطلحات وتحديث المفردات، حتى لا تبقى حبيسة النصوص القديمة، بل تستعيد حضورها في الحياة اليومية والتعليم والثقافة.

ومع مرور الوقت، بدأ أسعد يعود تدريجيًا إلى بعض نشاطاته. عاد إلى إلقاء المحاضرات بدرجة محدودة، وعاد إلى كتبه ومشاريعه غير المطبوعة، وواصل العمل على استعادة قدراته. ومن بين مشاريعه كتاب باللغة السويدية يعمل عليه منذ نحو عامين عن معلمه وصديقه و«حبه الأول» في عالم اللغة، الملفونو عبدالمسيح قرباشي.

إن اختيار عبدالمسيح قرباشي موضوعًا لهذا العمل ليس أمرًا عابرًا؛ فالرجل الذي دخل ذاكرة أسعد منذ طفولته عاد ليظهر في مرحلة متقدمة من حياته، وكأن دائرة كاملة بدأت بطفل يستمع إلى أشعار معلمه، وانتهت بعالم يريد أن يحفظ سيرة ذلك المعلم للأجيال.

ورغم كل ما مر به، يعيش أسعد حياة بسيطة، ويواصل العمل على نفسه، ويقدم ما يستطيع لمن يحتاج مساعدة في اللغة، ويشجع الشباب على الاهتمام بها وحمل مسؤولية استمرارها.

وحين يُسأل عن الطريقة التي يريد أن يتذكره بها الناس، تأتي إجابته منسجمة تمامًا مع مسيرة حياته: أن يُذكر بوصفه خادمًا للغة السريانية الآرامية، ومعلمًا محبًا لها، وعاشقًا مخلصًا لم يبخل بما يملك في سبيلها.

وهنا ربما تكمن خلاصة حكايته؛ فقد بدأ حياته طفلًا يتعلم اللغة في بيت والده، ثم أصبح معلمًا لها، وباحثًا فيها، وأكاديميًا متخصصًا، وكاتبًا ومحررًا، ومؤسسًا وعضوًا في مشاريع لغوية، ثم وجد نفسه يومًا مضطرًا إلى إعادة تعلمها بعدما أخذ المرض جزءًا من ذاكرته.

لكن الذاكرة، رغم هشاشتها، لم تستطع أن تنتزع منه علاقته باللغة.

فالسريانية بالنسبة إلى أسعد لم تكن محفوظات في العقل يمكن أن تضيع بفقدان الذاكرة، بل كانت تجربة حياة كاملة: بيتًا، وأبًا، ومعلمين، وطلابًا، وكتبًا، وأبحاثًا، وأصدقاء، وهوية، وسنوات طويلة من العمل.

ولهذا فإن قصة ملفونو أسعد صوما ليست فقط قصة عالم لغوي، ولا قصة رجل واجه مرضًا صعبًا، بل قصة إنسان ظل يحاول العودة إلى الشيء الذي أحبه حتى عندما خانه جسده وذاكرته.

لقد انتقل من طفل مفتون بالكلمات إلى باحث أمضى عقودًا في دراسة اللغات، ومن معلم صغير في مدارس الكنيسة إلى أستاذ وباحث وكاتب، ثم من رجل يعلّم الآخرين إلى إنسان يتعلم من جديد كي يستعيد ما فقده.

وفي كل هذه التحولات بقيت هناك فكرة واحدة ثابتة: اللغة التي أحبها تستحق أن تبقى.

ومن هنا تأتي قيمة توثيق سيرة ملفونو أسعد صوما في Memora 360؛ فهي لا توثق فقط مسيرة أكاديمية حافلة، بل تحفظ تجربة إنسان جعل من اللغة مشروع عمر، وربط المعرفة بالهوية، والتعليم بالمسؤولية، والذاكرة بالوجود.

ملفونو أسعد صوما… رجل جعل من اللغة رسالة، ومن العلم طريقًا، ومن الذاكرة مسؤولية، وحتى حين فقد جزءًا منها، لم يفقد الرغبة في استعادتها.

Schreibe einen Kommentar

تواصل معنا

من يرغب في مشاركة معلومات أو مصادر يمكن أن تسهم في إثراء المشروع وتعزيز دقته وموثوقيته.لإرسال المواد أو الاستفسارات أو المقترحات، يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني :

Info@memora360.

Translate »

Entdecke mehr von Memora 360

Jetzt abonnieren, um weiterzulesen und auf das gesamte Archiv zuzugreifen.

Weiterlesen